الشوكاني
521
فتح القدير
الذي أرسله إليكم ( وراءكم ظهريا ) أي منبوذا وراء الظهر لا تبالون به ، وقيل المعنى : واتخذتم أمر الله الذي أمرني بإبلاغه إليكم ، وهو ما جئتكم به وراء ظهوركم ، يقال : جعلت أمره بظهر : إذا قصرت فيه ، و ( ظهريا ) منسوب إلى الظهر ، والكسر لتغيير النسب ( إن ربي بما تعملون محيط ) لا يخفى عليه شئ من أقوالكم وأفعالكم ( ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون ) لما رأى إصرارهم على الكفر وتصميمهم على دين آبائهم ، وعدم تأثير الموعظة فيهم توعدهم بأن يعملوا على غاية تمكنهم ونهاية استطاعتهم ، يقال مكن مكانة : إذا تمكن أبلغ تمكن ، وأخبرهم أنه عامل على حسب ما يمكنه ويقدر الله له ، ثم بالغ في التهديد والوعيد بقوله ( سوف تعلمون ) أي عاقبة ما أنتم فيه من عبادة غير الله والإضرار بعباده . وقد تقدم مثله في الأنعام ( من يأتيه عذاب يخزيه ) من في محل نصب بتعلمون : أي سوف تعلمون من هو الذي يأتيه العذاب المخزي الذي يتأثر عنه الذل والفضيحة والعار ( ومن هو كاذب ) معطوف على من يأتيه ، والمعنى : ستعلمون من هو المعذب ومن هو الكاذب ؟ وفيه تعريض بكذبهم في قولهم : " لولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز " ، وقيل إن من مبتدأ وما بعدها صلتها والخبر محذوف والتقدير : من هو كاذب فسيعلم كذبه ويذوق وبال أمره . قال الفراء : إنما جاء بهو في " من هو كاذب " لأنهم لا يقولون من قائم : إنما يقولون من قام ، ومن يقوم ، ومن القائم ، فزادوا هو ليكون جملة تقوم مقام فعل ويفعل . قال النحاس : ويدل على خلاف هذا قول الشاعر : من رسولي إلى الثريا فإني * ضقت ذرعا بهجرها والكتاب ( وارتقبوا إني معكم رقيب ) أي انتظروا إني معكم منتظر لما يقضي به الله بيننا ( ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه ) أي لما جاء عذابنا أو أمرنا بعذابهم نجينا شعيبا وأتباعه الذين آمنوا به ( برحمة منا ) لهم بسبب إيمانهم ، أو برحمة منا لهم : وهي هدايتهم للإيمان ( وأخذت الذين ظلموا ) غيرهم بما أخذوا من أموالهم بغير وجه وظلموا أنفسهم بالتصميم على الكفر ( الصيحة ) التي صاح بهم جبرائيل حتى خرجت أرواحهم من أجسادهم ، وفي الأعراف - فأخذتهم الرجفة - وكذا في العنكبوت . وقد قدمنا أن الرجفة الزلزلة ، وأنها تكون تابعة للصيحة لتموج الهوى المفضى إليها ( فأصبحوا في ديارهم جاثمين ) أي ميتين . وقد تقدم تفسيره وتفسير ( كأن لم يغنوا فيها ) قريبا ، وكذا تفسير ( ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ) وحكى الكسائي أن أبا عبد الرحمن السلمي قرأ ( كما بعدت ثمود ) بضم العين . قال المهدوي : من ضم العين من بعدت فهي لغة يستعمل في الخير والشر ، وبعدت بالكسر على قراءة الجمهور يستعمل في الشر خاصة ، وهي هنا بمعنى اللعنة . وقد أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( إني أراكم بخير ) قال : رخص السعر ( وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ) قال : غلاء السعر . وأخرج ابن جرير عنه ( بقية الله ) قال : رزق الله . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ( بقية الله خير لكم ) يقول : حظكم من ربكم خير لكم . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال : طاعة الله . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الأعمش في قوله ( أصلواتك تأمرك ) قال : أقراءتك . وأخرج ابن عساكر عن الأحنف : أن شعيبا كان أكثر الأنبياء صلاة . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله ( أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ) قال : نهاهم عن قطع هذه الدنانير والدراهم فقالوا : إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء ، إن شئنا قطعناها ، وإن شئنا أحرقناها ، وإن شئنا طرحناها . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن